محمد أبو زهرة

1743

زهرة التفاسير

الشاردة التي يراها صاحبها ، يضع لها أسباب التقريب ، فإذا عادت إليه فرح بعودتها ، بيد أن أحدا من عباد الله لا ينفعه ! . وهنا إشارات بيانية يجب التنبيه إليها : أولاها - أن الله تعالى سمى الذين تحاكموا إلى غير الشرع ظالمين لأنفسهم ، يستوى في ذلك من حكم له ومن حكم عليه ؛ لأن تحكيم الطاغي الظالم هو بث للظلم ونشر له ، وإذا شاع الظلم وكثر شاع معه الفساد والاضطراب ، ومن فعل ما يؤدى إلى ذلك هو ظالم لنفسه ، وظالم لجماعته التي يعيش فيها . وثانيتها - أن الله تعالى قرن الاستغفار من الرسول بالاستغفار له ، ليشير بهذا إلى أن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يقول من عند نفسه ، بل يقول عن الله تعالى ، ولتكريم مقام الرسالة ومقام الحاكم العادل ، فإن الإعراض عنه استهانة به ، والاستهانة بالحاكم العادل تؤدى إلى الفوضى وعدم استقرار الأحكام . والثالثة - أن قوله تعالى : وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ فيه التفات من الخطاب إلى الغيبة ، ويقول الزمخشري في ذلك « لم يقل : ( واستغفرت لهم ) وعدل عنه إلى طريقة الالتفات ، تفخيما لشأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتعظيما لاستغفاره . وتنبيها على أن شفاعة من اسمه رسول من الله بمكان » . فالالتفات كما نرى للتنبيه إلى مكانة الرسالة ، وتفخيمها ، ولبيان أن شفاعة الرسول بمقتضى كونه رسولا ، لها مقامها من الله تعالى ، وفوق ذلك أن الالتفات يؤدى إلى أن يكون الاستغفار للرسول بوصف أنه رسول ، فالباعث على وجوب الاستغفار له هو أنه يبلغ رسالة الله ، فترك حكمه استهانة بحكم الله ، وهو رسول الله ، ورسول الله له حق الكرامة الكاملة . فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ شَجَرَ بَيْنَهُمْ معناها تنازعوا فيما بينهم ، واختلط الحق بالباطل ، وتشابكت الأمور كما تتشابك غصون الأشجار ، وإن التحاكم يكون في مثل هذه الأمور التي